قراءة تحليلية لكتاب: «هل انتهى عهد البيداغوجيا؟» — د. محمد الدريج

محتوى المقال
    كتاب هل انتهى عهد البيدغوجيا ؟ تأليف د محمد الدريج قراءة تحليلية في سياق مشروع تعريف و تصنيف علوم التربية بالمغرب

    تحليل نقدي لمقاربة المؤلف حول تعريف وتصنيف علوم التربية في المغرب، مع إبراز الإشكالات الإبستمولوجية والاقتراحات التصنيفية.

    المؤلف: الدكتور محمد الدريج  |  سنة الإصدار: 2022  |  دار النشر: دار القلم، الرباط

    مقدمة

    حين يختار باحث، وهو في الأصل أستاذ للفلسفة، أن يطرح عنواناً استفزازياً مثل: «هل انتهى عهد البيداغوجيا؟»، فإن العنوان لايبدو عفويا وبريئا، بل إنه يستند إلى نية نقدية وإبستمولوجية. السؤال يدفع القارئ للتأمل في المكانة الحقيقية للبيداغوجيا اليوم، في ظل تحولات اجتماعية وثقافية وتقنية تؤثر على المنظومات التربوية داخل المجتمع المغربي.

    لا يقصد المؤلف من هذا العنوان نفي وجود البيداغوجيا، بل يحث على إعادة تقييمها وتجديد أدواتها ومفاهيمها، خصوصاً أمام تشابكها مع علوم إنسانية واجتماعية متعددة. فالمؤلف يقر بأهمية البيداغوجيا وشرعيتها، لكنه يرى أنها تحتاج إلى تنظيم مفاهيمي داخلي واضح إذا أرادت مواجهة المتغيرات المعاصرة.

    أسئلة محورية يعالجها الكتاب

    يمكن تلخيص القضايا المركزية التي يحاول الكتاب مقاربتها بما يلي:

    • ما المقصود بالبيداغوجيا وما حدود مفهومها؟
    • ما وظائفها وأهميتها في العملية التربوية؟
    • ما الفرق بينها وبين مفاهيم أقرب مثل: علوم التربية والديداكتيك؟
    • ما الجديد المقترح في الجهاز المفاهيمي لميدان التربية؟
    • ما مكونات التصنيف الرباعي لعلوم التربية الذي يقترحه المؤلف؟
    • ما النقد الذي يمكن توجيهه لهذا التصنيف؟

    عرض موجز لمحتوى الكتاب

    يتألف الكتاب من مقدمة وستة فصول تتلوها خاتمة وملاحق ومراجع. يتدرّج المؤلف من مراجعة تاريخية لمفاهيم أساسية إلى عرض تصوره الخاص لتصنيف علوم التربية. وفيما يلي نقاط مختصرة عن بنية الفصول:

    1. الفصل الأول: تتبع دلالات التربية والبيداغوجيا وعلوم التربية والعلوم المساعدة والبينية.
    2. الفصل الثاني: دراسة مدى تلاقح أو انفصال البيداغوجيا عن علوم التربية الأخرى.
    3. الفصل الثالث: علاقة البيداغوجيا بالعلوم المساعدة.
    4. الفصل الرابع: إشكاليات وأسس تصنيف علوم التربية.
    5. الفصل الخامس: عرض للتصنيف الرباعي المقترح: البيداغوجيا، الديداكتيك، الجسملوجيا، علم الكفايات.
    6. الفصل السادس: عرض خمس أطروحات نظرية تدعم التصنيف المقترح (التكوين الثلاثي للشخصية، تداخل الأبعاد، أثار الثورة الصناعية الرابعة، دور النفس العميقة، وتركيز على الكفايات).

    الرؤية الإبستمولوجية للمؤلف وحدودها

    تُشير قراءة الكتاب إلى أن المؤلف يتبنّى رؤية إبستمولوجية تراهن على ضرورة إعادة تعريف البيداغوجيا ومهامها تبعاً لتحولات المجتمع. ومع ذلك، قد يختلط للقارئ بين استعمال صيغة المفرد (البيداغوجيا) وصيغة الجمع (علوم التربية)، وهو خلط يحتاج إلى توضيح لأن السجال الإبستمولوجي حول ما إذا كانت «التربية» تستدعي علماً واحداً أم منظومة علوم متعددة قد حسم بوضوح في اتجاه تعددية التخصصات منذ بدايات القرن العشرين.

    تاريخياً، انعقد نقاش بين من اعتبروا أن بناء علم مستقل للتربية ممكن، وبين من رأوا أن تربية الإنسان لا تُفهم إلا بتضافر علوم متعددة (علوم نفسية، اجتماعية، فلسفية، بيولوجية... إلخ). ويظل موقف المؤلف أقرب إلى الدعوة لتجديد جهاز البيداغوجيا مع الاعتراف بضرورة التكامل بين علوم متعددة.

    خمس إشكالات مركزية يثيرها الكتاب

    1. إشكال تعريف التربية: تعدد التعريفات يؤدي إلى ضبابية في تحديد الهدف والوظيفة.
    2. إشكال تعدد البيداغوجيّات: تنوع المقاربات والنماذج يربك التطبيق والممارسة.
    3. إشكال تعدد علوم التربية: صعوبة رسم حدود واضحة لكل مجال تخصصي داخل الحقل التربوي.
    4. إشكال العلاقة بين البيداغوجيا والعلوم المساعدة والبينية: الحاجة لآليات واضحة للتعاون والتكامل بدل التداخل العشوائي.
    5. إشكال مشروعية التصنيف: مدى قبول المجتمع العلمي لتصنيف رباعي أو غيره، ومدى فاعليته في التطبيق العملي.

    ملاحظات نقدية سريعة

    يُثمن الكتاب محاولته إعادة تنظيم الفكر البيداغوجي، ولكنه يترك مساحة للنقاش حول مدى إمكانية تطبيق التصنيف المقترح في مؤسسات التكوين والتدريس المغربية، وضرورة توضيح المفاهيم وتعريفها بدقّة علمية أكبر قبل فرض هيكل تصنيفي جديد.

    كما يستحسن تعزيز المداخل النظرية بمزيد من أمثلة تطبيقية ودراسات حالة توضح حدود كل فرع من الفروع الأربعة المقترحة، وكذلك توضيح كيف سيساهم هذا التصنيف في تحسين الممارسات البيداغوجية في الواقع التعليمي.

    خلاصة وتوصيات

    يقدّم د. محمد الدريج كتاباً يستفز التفكير في حدود البيداغوجيا وموقعها داخل حقل أوسع هو علوم التربية. يُعدُّ العمل مدخلاً مفيداً لحوار إبستمولوجي حول تحديث المفاهيم وتصنيف التخصصات، ويطرح تصوّراً عملياً (التصنيف الرباعي) يمكن تعميقه ونقاشه علمياً.

    وتجدر الإشارة إلى توصيات عملية قد تستفيد منها الأوساط الأكاديمية والممارسون:

    • مواصلة الحوار العلمي حول حدود ومكونات البيداغوجيا في إطار مشترك بين الجامعات ومؤسسات التكوين.
    • تجريب التصنيف المقترح في مشاريع تطبيقية صغيرة لتقييم جدواه قبل تعميمه.
    • صياغة تعريفات واضحة ومتكاملة للمفاهيم الأساسية لضبط التداول الأكاديمي والمهني.

    المرجع الأساسي: محمد الدريج (2022)، هل انتهى عهد البيداغوجيا؟ طروحات جديدة لتعريف وتصنيف علوم التربية وتطويرها، دار القلم — الرباط.

    Bernard Charlot(2001): " les sciences de l éducation en France"Chapitre extre du livre :"le pari des sciences de l’éducatio"Bruxelles-coll:Raisons éducatives;edit:Boeck Université/pp: 147

    0تعليقات